محمد بن جرير الطبري

14

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فلم يبعث منهم أحدا ، ولو كنت مبعوثا بعد وفاتي كما تقولان ، لكان قد بعث من هلك قبلي من القرون وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ يقول تعالى ذكره : ووالداه يستصرخان الله عليه ، ويستغيثانه عليه أن يؤمن بالله ، ويقر بالبعث ويقولان له : وَيْلَكَ آمِنْ ، أي صدق بوعد الله ، وأقر أنك مبعوث من بعد وفاتك ، إن وعد الله الذي وعد خلقه أنه باعثهم من قبورهم ، ومخرجهم منها إلى موقف الحساب لمجازاتهم بأعمالهم حق لا شك فيه . فيقول عدو الله مجيبا لوالديه ، وردا عليهما نصيحتهما ، وتكذيبا بوعد الله : ما هذا الذي تقولان لي وتدعواني إليه من التصديق بأني مبعوث من بعد وفاتي من قبري ، إلا ما سطره الأولون من الناس من الأباطيل ، فكتبوه ، فأصبتماه أنتما فصدقتما . القول في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ . . . خاسِرِينَ . . . لا يُظْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين هذه الصفة صفتهم ، الذين وجب عليهم عذاب الله ، وحلت بهم عقوبته وسخطه ، فيمن حل به عذاب الله على مثل الذي حل بهؤلاء من الأمم الذين مضوا قبلهم من الجن والإنس ، الذين كذبوا رسل الله ، وعتوا عن أمر ربهم . وقوله : إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ يقول تعالى ذكره : إنهم كانوا المغبونين ببيعهم الهدى بالضلال والنعيم بالعقاب . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا معاذ بن هشام ، قال : ثنا أبي ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال : الجن لا يموتون ، قال قتادة : فقلت أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ الآية . وقوله : وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا يقول تعالى ذكره : ولكل هؤلاء الفريقين : فريق الإيمان بالله واليوم الآخر ، والبر بالوالدين ، وفريق الكفر بالله واليوم الآخر ، وعقوق الوالدين اللذين وصف صفتهم ربنا عز وجل في هذه الآيات منازل ومراتب عند الله يوم القيامة ، مما عملوا ، يعني من عملهم الذي عملوه في الدنيا من صالح وحسن وسيئ يجازيهم الله به . وقد : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا قال : درج أهل النار يذهب سفالا ، ودرج أهل الجنة يذهب علوا . وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ يقول جل ثناؤه : وليعطي جميعهم أجور أعمالهم التي عملوها في الدنيا ، المحسن منهم بإحسانه ما وعد الله من الكرامة ، والمسئ منهم بإساءته ما أعده من الجزاء . وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ يقول : وجميعهم لا يظلمون : لا يجازي المسئ منهم إلا عقوبة على ذنبه ، لا على ما لم يعمل ، ولا يحمل عليه ذنب غيره ، ولا يبخس المحسن منهم ثواب إحسانه . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا . . . تُجْزَوْنَ . . . تَفْسُقُونَ يقول تعالى ذكره : وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله عَلَى النَّارِ يقال لهم : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ، وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فيها . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ قرأ يزيد حتى بلغ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ تعلمون والله إن أقواما يشترطون حسناتهم . استبقى رجل طيباته إن استطاع ، ولا قوة إلا بالله . ذكر أن عمر بن الخطاب كان يقول : لو شئت كنت أطيبكم طعاما ، وألينكم لباسا ، ولكني أستبقي طيباتي . وذكر لنا أنه لما قدم الشام ، صنع له طعام لم ير قبله مثله ، قال : هذا لنا ، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير ؟ قال خالد بن الوليد : لهم الجنة ، فاغر ورقت عينا عمر ، وقال : لئن كان حظنا في الحطام ، وذهبوا قال أبو جعفر : فيما أرى أنا بالجنة ، لقد باينونا بونا بعيدا . وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دخل على أهل الصفة مكانا يجتمع فيه فقراء المسلمين ، وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ، ما يجدون لها رقاعا ، قال : " أنتم اليوم خير ، أو يوم يغدو أحدكم في حلة ، ويروح في أخرى ، ويغدى عليه بحفنة ، ويراح عليه بأخرى ، ويستر بيته كما تستر الكعبة " .